عبد الملك الثعالبي النيسابوري
216
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
ويشاهدون أحواله ويعدون أنفاسه وينهون إليه جميع ما يأتيه ويذره ويقوله ويفعله . . فرفع إليه بعضهم أن أبا الفتح اشتغل ليلة بما يشتغل به الأحداث المترفون ، من عقد مجلس الأنس واتخاذ الندماء ، وتعاطي ما يجمع شمل اللهو ، في خفية شديدة ، واحتياط تام ، وأنه كتب في تلك الحالة رقعة إلى من سماه لي أبو جعفر ، ونسيت اسمه ، في استهداء الشراب ، فحمل إليه ما يصلحهم من المشموم والمشروب والنقل . فدس الأستاذ الرئيس إلى ذلك الإنسان من أتاه برقعة أبي الفتح الصادرة إليه ، فإذا فيها بخطه : بسم اللّه الرحمن الرحيم . قد اغتنمت الليلة - أطال اللّه بقاك يا سيدي ومولاي ! - رقدة من عين الدهر ، وانتهزت فيها فرصة من فرص العمر ، وانتظمت مع أصحابي في سمط الثريا ، فإن لم تحفظ علينا النظام ، بإهداء المدام ، عدنا كبنات نعش « 1 » ، والسلام . فاستطير الأستاذ فرحا وإعجابا ، بهذه الرقعة البديعة ، وقال : الآن ظهر لي أثر براعته ، ووثقت بجريه في طريقي ، ونيابته منابي ، ووقّع له بألفي دينار . وحكى أبو الحسين بن فارس ، قال : كنت عند الأستاذ أبي الفتح في يوم شديد الحر فرمت الشمس بجمرات الهاجرة ، فقال لي : ما قول الشيخ في قلبه ؟ فلم أحر جوابا لأني لم أفطن لما أراد ، فلما كان بعد هنية أقبل رسول والده الأستاذ الرئيس يستدعيني إلى مجلسه فقمت إليه ، فلما مثلت بين يديه تبسم ضاحكا إلي وقال : ما قول الشيخ في قلبه ؟ فبهت وسكت ، وما زلت أفكر حتى تنبهت على أنهما أرادا الخيش ، فكأن من كان يشرف على أبي الفتح من جهة أبيه الأستاذ أتاه بتلك اللفظة في تلك الساعة ، ولفرط اهتزازه لها أراد مجاراتي ، وقرأت صحيفة السرور من وجهه إعجابا بها ، ثم أخذت أتحفه بنكت نثره ، وملح نظمه .
--> ( 1 ) بنات نعش : مجموعة من الكواكب متقاربة تبدو ليلا وكأنها مجتمعة .